اسماعيل بن محمد القونوي
393
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه والجواب أن المراد كل ذي علم من الخلق لأن الكلام فيهم ) إذ لو كان ذا علم وكان عالما بعلمه لكاف داخلا في قوله تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] ولو كان داخلا فيه لكان فوقه من هو أعلم منه فلو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه لكن التالي باطل والمقدم مثله وأجاب أولا بالمنع مستندا بأنه لا نسلم دخوله في قوله : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ [ يوسف : 76 ] إذا كان ذا علم إذ المراد كل ذي علم من الخلق ثم نور السند بقوله لأن الكلام فيهم حيث ذكر عقيب قوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [ يوسف : 76 ] ولا ريب في أنه في شأن الخلق وكذا هذا والإنكار مكابرة . قوله : ( ولأن العليم هو اللّه تعالى ومعناه الذي له العلم البالغ لغة ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا فوق كل العلماء عليم وهو مخصوص ) ولأن العليم عطف على قوله لأن الكلام فيهم وتنوير آخر للسند ولما كان المراد هو اللّه تعالى فلا يدخل تعالى شأنه في قوله : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] مع أنه ذو علم إذ لو دخل لكان فوق نفسه وذاته ولا يخفى فساده وأنت تعلم أن هذا لا يلائم قوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [ يوسف : 76 ] إذ الغرض منه أن بعض المخلوق أعلم من بعض آخر صرح به المفسرون وأشار إليه المصنف بقوله أرفع درجة منه فإن المراد أرفع علما منه قوله ومعناه الذي له الخ لا يقتضي التخصيص فإن العلم البالغ من قبيل الكلي المشكك فلا بأس في إطلاق العليم على غيره تعالى كالأول وهو لأن الكلام فيهم هو المعول ثم أجاب بالنقض الإجمالي بأنه لا فرق بين كل ذي علم وبين قولنا فوق كل العلماء عليم فلو صح ما ذكروه لزم أن لا يكون عالما بذاته فما هو جوابهم من التخصيص بالخلق فهو جوابنا والمتداول في المحاورات تقديم التفوض على المنوعات فالأولى تقديم النقض المذكور على المنع المزبور إذ هذا المنع من قبيل الحل فإن منشأ غلطهم تعميم كل ذي علم إلى الخالق تعالى . قوله : ولأنه لا فرق يعني هذا السؤال يرد أيضا إذا لم يذكر بالإضافة فوجب المصير إلى أن يقال المراد بعليم ذات الواجب تعالى البالغ علمه الغاية فعليم عام بحسب المفهوم خاص بحسب الخارج فهو من باب العام المخصوص منه البعض قال الطيبي نظم الكلام يقتضي أن يقال إن قوله : ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [ يوسف : 76 ] تفسير وبيان لقوله تعالى : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [ يوسف : 76 ] والكيد هو تعليم اللّه تعالى إياه بأن يسرق أخاه ويكذب إخوته ليستعبده ومثل هذا الحكم الذي يرى في الظاهر حرمته هو في الحقيقة متضمن لأسرار وحكم لا يصل إلى كنهها كل ذي علم فإن أصحاب العلم وأربابه تتفاوت درجاتهم فمن عالم لا ينظر إلا إلى الظاهر فينكر ومن عالم يعلم السر والحكمة كيوسف والخضر عليهم السّلام فيمضيه فجاء بقوله : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] تذييلا للكلام السابق فعلى هذا يحمل الكل في قوله : كُلِّ ذِي عِلْمٍ [ يوسف : 76 ] على الاستغراقية دون المجموعية يحمل العليم على غير اللّه عز وجل قطعا قوله تحضن من الحضانة من حضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحيه وكذلك المرأة إذا حضنت ولدها .